
ما ارتبكتش، ولا خبت وشها. وقفت مكانها، وابتسمتلي نفس الابتسامة الباردة الشاحبة بتاعة ليلة الفيلا. رفعت كاس العصير اللي كان في إيدها في الهواء ناحيتي، كأنها بتمسيني، كأنها بتقولي: “شفتي يا سعاد؟ شفتي العدل لما يكتمل؟”
وبعدين التفتت لابنها أحمد، وأخدته من إيده ودخلوا القاعة الكبيرة للجامعة، والأبواب المذهبة اتقفلت وراهم، وسابوني واقفة برة في البرد والشارع، زئير السيارات بياكل في صدري.
-
حماتي نشرت صورتيمنذ 23 ساعة
-
دخلت ساره الشقه الجزء الثانيمنذ 23 ساعة
-
دخلت ساره الجزء الأولمنذ 24 ساعة
-
اتجوزت واحده مطلقهمنذ 24 ساعة
رجعت الشقة وأنا مش حاسة برجليا. فتحت الباب، لقيت ريحتها جير ومطهرات ودم ميت. فالح كان صحي من المسكن، وقاعد على الأرض بيحاول يزحف ناحية المطبخ عشان يدور على مية، وكوباية الماستك اتكسرت تحت إيديه والدم كان ينزل من صوابعه.
قعدت على الأرض جنبه، وما حاولتلكش أنظف الدم ولا أرفعه.
فالح رفع وشه الأعمى وقال بصوت مرعوب:
ـ “سعاد؟ أنتِ جيتي؟ أحمد اتخرج يا سعاد؟ قال إيه عني؟ سأل عليا؟”
بصيتله بأعطس ونظرة ميتة، وقلتله بصوت أبرد من برودة الشارع:
ـ “أحمد اتخرج يا فالح.. بقى مهندس أقد الدنيا. وقال قدام مصر كلها إن أمه مروة هي اللي عملته، وإن أبوه كان مجرد كابوس وانتهى.. أحمد حط القبعة على رأس مروة وقالها ‘أنتِ ملكتي’.”
فالح حط وشه في الدم اللي على البلاط، وبدأ يصرخ صريخ مكتوم، يضرب جبهته المحروقة في الأرضية المكسورة، وبيستغيث بالمرض والموت عشان يريحه من الوجع.
أنا قمت ببطء، جابت الجردل والممسحة، ودلقت المية والكلور على البلاط حوليه، وبدأت أمسح.. أمسح الدم، وأمسح القرف، وأمسح البكاء بتاعه، وأنا عارفة إن الجزء الأخير من حياتنا قرب يتقفل.. بس النهاية مش هتكون رحمة، النهاية هتكون الحساب الأخير اللي كلنا هنشهده!
مرت سنتان إضافيتان، ووصلت رحلة العذاب إلى محطتها الأخيرة، المحطة التي لم يكن فيها مكان لأي أمل، بل كان الجحيم فيها يكتمل في صوره.
في تلك الأيام، كان فالح قد فقد كل مقومات الحياة البشريّة. لم يعد يزحف، ولم يعد يملك حتى القدرة على الحشرجة أو البكاء. جسده المنهك تيبّس بالكامل، والقروح أكلت ما تبقى من جلده حتى وصلت إلى العظام. كان يرقد على تلك المرتبة المفعوصة في الأوضة الجوانية، كأنه هامدة ترفض الروح أن تفارقها إلا بعد أن تستوفي آخر قطرة من العذاب.
وفي ليلة شتاء شديدة البرودة، وبينما كانت الرياح نوافذ المكسورة، سمعت صوته يخرج كأنه ينبعث من قاع بئر عميق. كان ينادي باسمي بنبرة خافتة للغاية. دخلت عليه الغرفة، ورأيت عينيه المنطفئتين متثبتتين نحو السقف الضلمة.
رمس بصوت ميت وقال: “سعاد… أنا شايف نور… شايف مروة واقفة بعيد ومسكة إيد أحمد… قولي لها تسامحني يا سعاد… قولي لها تخرجني من الضلمة دي…”
جلست على الأرض بجانبه، ولم أعد أشعر بأي غل أو شفقة؛ كان قلبي قد تحجر تماماً. مسكت إيده الباردة المشوهة، وقلت له بصوت خافض: “المسامحة مش هنا يا فالح… المحكمة اتقفلت في الدنيا، وفاضل محكمة السماء.”
سكن جسده فجأة، وأخرج نفساً طويلاً أخيراً، وانطفأت أنفاسه للأبد. مات فالح في تلك الضيقة المظلمة، مات أعمى، مشوهاً، لا حيلة له ولا مال، بعد أن أخذ عقابه كاملاً غير منقوص عن كل لحظة ظلمها لمروة ولكل من حوله.
عندما أدركت أنه فارق الحياة، لم أصرخ ولم ألطم. اتصلت بالشرطة وبالمحامي الأستاذ رمزي. وفي خلال ساع ممتلئة برجال الإسعاف والمباحث لإتمام إجراءات الدفن الطبيعية.
وفي الصباح، أُقيمت الجنازة. لم يمشِ فيها أحد من معارفه أو أصدقاء الماضي، ولا حتى هلا التي نسيها ونسيته منذ سنوات. كنت أسير خلف النعش وحدي بعبايتي السوداء المتهالكة. ولكن عند باب المقابر، توقفت سيارة سوداء فخمة.
نزل منها الشاب المهندس أحمد، ونزلت خلفه مروة. كانت ترتدي الثياب السوداء الشيك، وتقف بوقار وهيبة. لم تقترب مروة من النعش، بل وقفت على بعد خطوات تراقبه وهو تحت التراب.
بعد أن انتهى الدفن، جاء أحمد ووقف أمامي لثوانٍ. نظرت في وجهه، فرأيت ملامح فالح الشابة القديمة، لكن بعيون مروة ونظرتها الصارمة. لم يقل لي كلمة واحدة، بل وضع في إيدي مظروفاً أبيض، ثم التفت ومشى مع أمه وركبا السيارة وانطلقا.
فتحت المظروف وأنا أقف وسط المقابر في الشتاء؛ كان فيه عقد القديمة، ومعه ورقة رسمية ومبلغ مالي.
كتبت مروة في الورقة بخط يدها الأنيق:
“يا سعاد… مات فالح وانتهى حسابه في الدنيا، وأحمد ابني قرر يسيبلك دي تنازل رسمي تعيشي فيها اللي فاضل من عمرك، والمبلغ ده إكرامية مني ليكي… مش عشان بحبك ولا عشان سامحتك، بس عشان تبقي قاعدة في الشقة دي لوحدك، افتكري كل يوم لما تشوفي الأوضة الصالون والحيطان اللي كنتِ بتمسحيها، إن الظلم ليلته قصيرة، وإن السحر بيلف ويرجع على الساحر. عاشرتك خدامة بأجرك، وتسيبك دلوقتي خدامة لذكرياتك وذنبك.”
رجعت إلى الشقة المفردة الصامتة. فتحت الباب، فاستقبلتني ريحة المطهرات والكلور القديمة. جلست على الكنبة التي كنت أقعد عليها زمان وأنا ألقي لمروة الـ ١٥٠ جنيه وألزمها بالخدمة.
بصيت حوليا… الصالة فاضية، الأوضة الجوانية فاضية، والمكان كله بقى يسوده صمت مرعب. أدركت في تلك اللحظة أن عقابي الحقيقي لم يبدأ إلا الآن.
فالح مات واستراح من عذابه وجروحه، ومروة وأحمد عاشا في قمة العز والنجاح والعدل، أما أنا… فبقيت حية في هذا المظلم، أطوف بين جدرانه، أسمع صدى صريخ أخويا في الليل، وأرى طيف مروة وهي تمسح الأرضية بكسرة، وأتذكر كيف صنعت بيدي وبطمعي وبخبثي الذي التف حول رقبتي ورقبة أخويا.
أمسكت الممسحة والجردل في منتصف الليل، وبدأت أمسح بلاط الصالة الفاضية بدموعي، وأنا أعلم أنني سأقضي بقية عمري في هذه الشقة، أغسل تراب الذنب الذي لا يزول أبداً، في قصة انتهت بالعدل الكامل، ولم تترك والندم.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”





