
سابتنا مروة وخرجت من المستشفى وهي مرفوعة الرأس، ومشي وراها المحامي والأطباء بيحيوها باحترام.
فضلت أنا وفالح قاعدين في القاعة الفاضية. هو بيصرخ ويبكي على الأرض، وأنا ماسكة التقرير الطبي والأوراق في إيدي، وببص للسقف النظيف الفخم بتاع المستشفى، وأنا عارفة إننا طالعين منه راجعين على مقبرتنا القديمة.. عشان أبدأ جولة جديدة من المسح والنظافة والخدمة.. في القصة اللي ما ليهاش نهاية!
-
اول حاجه عملها جوزي الجزء الثانيمنذ 17 ساعة
-
جوزي مسافر الجزء الثالثمنذ 17 ساعة
-
جوزي مسافر الجزء الثانيمنذ 17 ساعة
-
سلفتي الجزء الثالثمنذ 18 ساعة
مرت شهور وسنوات، والأيام بقت بتجري زي مية وسخة في قناة مسدودة. الأمل اللي كان بيلوح زمان إن في معجزة ممكن تحصل أو إن مروة قلبها يلين،
فالح بقى مجرد هيكل عظمي متغطي بجلد مشوه ، الحركة عنده تقريباً، ومفاصل إيديه ورجليه اتيبست في وضعية انحناء مرعبة. صوته اللي كان زمان يصرخ ويهز البيت، اتمحى وبقى عبارة عن حشرجة ضعيفة يادوب بتتسمع لما أقرب ودني من بقه. والذاكرة عنده بدأت تتآكل؛ بقى ينسى الأسماء، ينسى إننا في القاهرة، ينسى إن هلا سابته وهربت من سنين، وكان يصحى في نص الليل يصرخ بصوت مخنوق ويسألني: “يا سعاد.. هي هلا اتأخرت في الكوافير ليه؟ قولي للسواق يجهز العربية عشان نلحق العشا في شرم!”
أنا كنت بمسح دموعي الناشفة، وأبص له بنظرة مفيهاش غير المرار، وأرد عليه ببرود: “نام يا فالح.. هلا راحت، والعربية اتباعت، والشرم بقت بعيدة أوي علينا.”
أما أنا، فجسدي ابتدى يخونني. ضهري اللي انحنى من كتر شيل فالح ومسح البلاط وجلي المواعين، بقى يوجعني بوجع دائم مش بيروح حتى وأنا نايمة. إديا اتهرت من المية والكلور، وظوافري اتقطعت وتكسرت، وبشرة وشي انكمشت وشابت قبل الأوان. بقيت لما أبص في المراية المكسورة في الحمام، ما أعرفش الست اللي واقفة قدامي.. هل دي سعاد؟ ولا دي النسخة الجديدة من مروة زمان؟ بل بالعكس، مروة زمان كان عندها أمل، لكن أنا ما بقاش عندي أي حاجة أنتظرها غير الموت.
وفي يوم من أيام الشتا القارص، والبرد كان بينخر في العظام، والكهرباء مقطوعة كالعادة، جالي إخطار جديد مع الأستاذ رمزي المحامي. المحامي ما بقاش يجي بنفسه كبرياءً، بقى يبعت صبي من عنده في المكتب يرميلي الظرف الأبض وفيه الـ ألفين جنيه، وياخد توقيعي على إيصال استلام الأمانة والخدمة.
بس المرة دي، مع الظرف، كان في كارت دعوة فخم جداً، أبيض ومطرز بدهب حقيقي، ومكتوب فيه بخط رقعة أنيق:
“يتشرف المهندس أحمد فالح بحضوركم حفل تخرجه من كلية الهندسة – الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبحضور والدته السيدة مروة.”
مسكت الكارت وإيديا بترتعش. أحمد ولد فالح.. كبر، واتخرج من أكبر جامعة، وبقى مهندس! الولد اللي فالح رماه وكان عايزه يعيش في الفقر والجهل عشان يتجوز هلا ويخلف منها عيال “أنظف”، كبر بفلوس فالح وبشقا مروة، وبقى مهندس ماليه هدومه، وما يعرفش عن أبوه غير إنه نكرة أو رجل عاجز مات بالنسبة له من زمان!
دخلت الأوضة على فالح، وقعدت جنبه على الأرض. حطيت الكارت قدام عينيه المُنطفية، وصصرخت في ودنه السليمة:
ـ “فالح! اسمعني يا فالح! ابنك أحمد اتخرج النهاردة من كلية الهندسة! بقى مهندس يا فالح! مروة عملت حفل كبير في الجامعة الأمريكية وعازمة المحافظ ورجال الأعمال!”
فالح حرك رقبته المشدودة بالعافية، وحاول يفتح جفونه الملتصقة، وطلعت منه نبرة مبحوحة ومكسورة:
ـ “أحمد؟.. ابني أنا؟.. أحمد جاء يشوفني يا سعاد؟ جابلي معاه الدوا واللحمة؟”
دموعي نزلت بسخونة على وشي، وقلتله بقسوة:
ـ “يجي يشوفك إيه يا فالح؟ أنت بالنسبة له مش موجود! مروة كشفتله الحقيقة كاملة لما كبر، قالتله إن أبوه رماه وهو طفل عشان يجرِي ورا النسوان والعز، وإن أمك هي اللي شالتك وعملتك راجل! أحمد لو شافك النهاردة مش هيعرفك.. أنت بالنسبة له الغريب اللي أمته!”
فالح حط إيديه المكتوية على وشه، وبدأ يبكي بكاء مرير، بكاء راجل أدرك إن حياته كلها اتسرقت منه، وإن العقاب ما كانش بس الحروق والعمى، العقاب الحقيقي كان إنه يشوف ثمرة عمره بتكبر وتزهو بعيد عنه، وهو محبوس في جحر ضلمة ملوش أي قيمة!
وفي الموعد المحدد لحفل التخرج، أنا ما قدرتش أقاوم الفضول والغل اللي كان بياكل في قلبي. سبت فالح نايم بعد ما اديته جرعة مسكن قوية، ولبست عبايتي القديمة وطرحتي، ورحت عند مقر الجامعة من برة.
وقفت ورا السور الحديدي العالي، وسط الشجر، مستخبية زي الحرامية، بتفرج على العربيات الفاخرة وهي داخلة وخارجة، والطلاب والطالبات بالروب الأسود وقبعات التخرج.
وفجأة.. شفتهم!
نزل أحمد من عربية مرسيدس بيضاء أحدث موديل. كان طالع زي الفلك، طول بعرض، وشه ينضح بالذكاء والجمال والهيبة، لابس روب التخرج وماسك في إيده شهادة تقدير.
ومن الباب التاني للعربية.. نزلت مروة!
مروة كانت ساحرة. لابسة فستان فاخر بلون الزمرد الأخضر، وحجاب حرير أبيض، والمجوهرات بتلمع على رقبتها وإيديها. كانت ماشية مرفوعة الرأس، والابتسامة مالية وشها، وكل الناس ورجال الأعمال والعمداء بالجامعة بيسلموا عليها ويحيوها باحترام شديد كأم مثالية ورائدة أعمال ناجحة.
أحمد قرب من أمه مروة، وحضنها قدام كل الناس، ووطى على إيدها باسها، وأخد قبعة التخرج بتاعته وحطها على رأسها وهو بيبكي من الفرحة ويقول بصوت عالي مسموع:
ـ “الشهادة دي مش ليا يا أمي.. الشهادة دي ليكي أنتِ! أنتِ اللي تعبتِ، أنتِ اللي شقتي، وأنتِ اللي صنعتيني من العدم لما أقرب الناس لينا رمانا في الشارع!”
الناس كلها قعدت تسقف وتصفق بحرارة، ومروة كانت بتاخد الحضن وعينيها بتلمع بفخر وعز لا يوصف.
أنا كنت واقفة ورا السور، بدمع وبشهق بالبكاء ورا الشجرة. كنت بشوف المشهد ده وأفتكر يوم ما مروة كانت بتيجي عندي الشقة، تبكي وتطاطي رأسها عشان تاخد الـ ١٥٠ جنيه، وأنا أقولها “المفروض تخدميني ببلاش”. دلوقتي مروة بقت هي المَلكة، وابنها بقى الأمير، وأنا وأخويا بقينا القمامة اللي اترمت في مزبلة التاريخ!
التفتت مروة فجأة ناحية السور.. كأنها حست بوجودي، أو كأن عين الشر والغل اللي طالعة مني لمستها.
بصت ناحية الشجرة اللي أنا مستخبية وراها. شافتنِي!




