روايات وقصص

ابويا طلقني من جوزي الجزء الأول

لكن أنا ما ردتش عليها، مسكت تليفوني بـإيد بترتع من القهر وطلبت رقم أبويا.

أبويا كان يادوب وصل البيت ولسه بيلبس جلبابه، رد عليا بلهفة:

— أيوة يا مريم يا حبيبتي… في حاجة ولا إيه؟ أنتِ بخير؟

صوتي كان مكتوم بالبكاء، قلت له كلمة واحدة:

— تعالى خذني يا بابا… أنا واقفة على السلم ومش راضيين يدخلوني شقتي.

ما كملتش دقيقة، وكان صوت عربية أبويا بيفرمل بقوة قدام البيت. طلع السلم في ثواني، وأول ما شافني واقفة بـفستان الفرح على السلم وأنا بعيط، وشافهم واقفين حواليا، ملامحه تحولت لبركان من الغضب.

أبويا بص لحسام وقال بصوت هز السلم كله:

— في إيه هنا؟ بنتي واقفة كده ليه؟

سامية اتكلمت بثقة متناهية وقالت:

— بنتكم جاية تتأنعر علينا يا حاج، وبتقول على ابني مش راجل عشان طلبت منها تنزل تساعدنا تحت.

أبويا بص لحسام وقال له بنبرة حادة كالسيف:

— الكلام ده صحيح يا حسام؟ أنت طلبت من مراتك تنزل تغسل مواعين في ليلة زفافها؟ وافقت إنها تتهان على السلم؟

حسام كان بيبص في الأرض وما قدرش يرفع عينه في عين أبويا، وقال بتردد:

— يا حاج أنا بس كنت عايز ألم الموضوع وأرضي أمي…

أبويا مسك إيدي بقوة ودفعني وراه، وبص لحسام بنظرة احتقار ما شفتهاش في حياتي، وقال بلهجة قاطعة هزت جدران البيت:

— اللى يعمل كده أول يوم تدخلى فيه بيته ميستهلش اصلا يكون ليه بيت وزوجه… أنت مش راجل يا حسام، وبنتي مش هتقعد ثانية واحدة مع واحد يسلمها لأهله تطأطئ رأسها!

سامية صرخت:

— أنت هتاخدها في ليلة فرحها؟ الناس تقول إيه؟!

أبويا رد عليها وهو بيسحبني ونازل بيا السلم بكل كبرياء:

— كلام الناس ولا يفرق معايا قرش، لكن كرامة بنتي تسوى الدنيا وما فيها!

نزلنا الشارع، وباب العربية اتفتح، وأنا بركب بالفستان الأبيض اللي كان أملي، وبقى كابوسي. وأنا بطل من شباك العربية، شفت حسام واقف فوق في البلكونة بيبص عليا بضعف، وأمه جمبه بتزعق.

وصلنا بيت أبويا، وأول ما دخلت من الباب، أخدني في حضنه، ومسح دموعي وقال لي بكل حنية وقوة:

— بكرة كل حاجة تنتهي يا بنتي… ومفيش زواجة هتم بالشكل ده.

لكن اللي ما كناش نعمل حسابه، إن حسام وأهله مش هيسكتوا، وبعد ساعتين بس من رجوعنا، خبط الباب بقوة مرعبة، وكان حسام جاي ومعه ناس من أسرته عشان…

فتح أبويا الباب، ولقى حسام واقف وشّه أصفر ومزهرق، وجنبه كبارات عيلته وعمامه، وعلى رأسهم عمّه الكبير الحاج جودة.

أبويا وقف سادّ الباب بجسمه، وبص لهم بنظرة صلبة من غير ما ينطق ولا كلمة. الحاج جودة اتكلم بأسف محاولاً يمتص الغضب:

— الشرفاء ما يدخلوش على بعض بالصوت العالي يا حاج أحمد.. إحنا جينا لغاية بيتك عشان نصلح غلطة العيل ده، وندخل البنت بيتها معززة مكرمة.

أبويا رد بنبرة جافة وهادية بس أرعبت الكل:

— العيل ده لو كان راجل وبيعرف يصون حرمة بيته، ما كانش ساب أمه وأخته يبهدلوا بنتي على السلم ليلة دخلتها.. بيتي مفتوح للأصول، بس ابنكم ما دخلش الأصول من أصلها.

حسام اتخطى عمّه وقرب خطوة وهو بيبص لأبويا ودموعه في عينه:

— يا حاج.. والله أنا بحب مريم، وما كنتش عايز زعل، أنا بس حبيت أعدي الليلة عشان أمي ما تزعلش، وما توقعتش إن الموضوع يوصل لكده.

خرجت من الصالة وأنا لسه بستان الفرح، ووقفت جنب أبويا. بصيت لحسام ودموع القهر على خدي، وقلت له بصوت يرتجف:

— بتحبني؟ أنت سيبت أمك تهينني وتقولي اغسلي المواعين بستان الفرح وأنت واقف ساكت كأنك خيال مآتة! أنت كنت بتترجاني أتنازل عن كرامتي عشان ترضي قسوتها، ودلوقتي جاي تقول بحبها؟

عمّه الحاج جودة اتدخل وقال بصوت صارم ووجه كلامه لحسام:

— اسكت أنت خالص يا حسام.. غلطتك راكباك من ساسك لراسك.

وبعدين بص لأبويا وقال:

— حقك عليا يا حاج أحمد.. وحق مريم على رأسي من فوق.. الشقة هتنزل مفتاحها في إيد مريم فوراً، وأمه وداليا مش هيدخلوا الدور التالت خالص، وهنكتب تعهد بدها لو تحب.

في اللحظة دي، ظهرت سامية دبت بقديمها على السلم، طالعة وراهم وتصرخ بعلو صوتها:

— تعهد إيه يا حاج جودة اللي تكتبه؟! هي مين دي اللي تنعزل عننا وتعمل هانم؟ ابنك يا حاج أحمد هو اللي جاب الشقة وعفشها بفلوسه، وبنتك من أول ليلة بتسوق فيها العوج وتفرق بين الابن وأمه! لو مش عاجبها عيشتنا تشرب من البحر!

حسام بص لأمه بضعف وقال:

— يا أمي سيبيني أحل الموضوع، ما تخربيش بيتي!

ردت عليه بقلة قيمة وقسوة:

— أنت تسكت خالص! لو دخلت البنت دي بيتك تاني لا أنت ابني ولا أعرفك ليوم الدين!

أبويا ابتسم ابتسامة سخرية مريرة، وبص للحاج جودة وقال له:

— سمعت؟ أهِي حطت حداً للقصة.. ابنكم مالوش كلمة في بيته، وأمه هي اللي ممشياه وممشية العيلة كلها.

أبويا مسك إيدي وقفل الباب نص قفلة، وبص لحسام بصة حاسمة وقاطعة وقال له:

— بنتي مش هترجع لواحد محكوم من أمه.. بنتي مش خدامة عند حد، واللى يعمل كده أول يوم تدخلى فيه بيته ميستهلش اصلا يكون ليه بيت وزوجه. ياللا يا ابن الناس، ورقتك توصلها بكره الصبح بالمعروف، وإلا المحاكم بيننا.

حسام وقف مذهول، وحاول يقرب من الباب ويهتف:

— مريم! ما تعمليش فينا كده.. اسمعيني بس!

لكن أبويا قفل الباب في وشهم بقوة هزت الشقة كلها. انقطعت الأصوات بره تدريجياً بعد ما الحاج جودة شد حسام ونزل بيه وهو بيزعق له ولأمه.

قعدت على الكنبة في الصالة، وانفجرت في البكاء. أمي أخدتني في حضنها وهي بتعيط معايا، وأبويا قعد جنبي، حط إيده على كتفي وقال لي بثبات:

— ما تبكيش يا بنتي.. الثوب الأبيض ده ينظف من وسخهم، وكرامتك عندي بألف راجل من العينة دي.. بكرة يندم، بس هكون أنا قفلت الباب للأبد.

عدت ليلة من أصعب ليالي حياتي، وفي صباح اليوم التالي، صحينا على صوت خبط متواصل وجنون على الباب، بس المرة دي ما كانش حسام.. دي كانت مفاجأة تانية خالص واقفة بره بتهدد بقلب الترابيزة علينا.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى