روايات وقصص

ابن امه الجزء الثاني

المأذون رفع نظارته وبص لأمي بذهول، وحماتي شهقت وهي حاطة إيدها على صدرها. أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا، أمي وشها بقى ألوان، وحاولت تخطف الموبايل وهي بتزعق: “ده كذب! ده تمثيل! إنتي بتلفقي لي تهم؟” نهى رجعت الموبايل في شنطتها بهدوء وقالت:

“التسجيل ده، مع المحضر اللي عملته الصبح في القسم بخصوص التهديد اللي جالي منك ومن ابنك، مع ورق المحل اللي حاولتم تسرقوه.. كل ده هينور قدام القاضي في قضية “المؤخر” و”المتعة” و”النفقة”.. وأه، نسيت أقولك يا خالد.”
قربت مني خطوة واحدة، كانت ريحة برفيومها اللي بحبه لسه فيها، بس نظرتها كانت غريبة عني:“أنا اللي كنت عايزة أتطلق يا خالد.. بس كنت مستنياك إنت اللي توديني للمأذون بإيدك عشان “العند” اللي مالي راسك يخليك تخسر كل حقوقك المادية.. مبروك يا “بطل”، إنت طلقتني “غيابي” و”بإرادتك” قدام المأذون، يعني المحل هيفضل بتاعي، وحقي هاخده منك تالت ومتلت بالقانون.”
أمي صرخت:
“يا فاجرة! بقى بتخططي لكل ده وإنتي عاملة لي فيها غلبانة وتعيطي؟”
نهى بصت لها بحدة وقالت:
“كنت بعيط على الـ 7 سنين اللي ضاعوا مع “عيل” مبيتحركش غير بالريموت كنترول بتاعك.. دلوقتي دموعي نشفت، وهبدأ أضحك.. يلا يا ماما.”
خدت إيد أمها وخرجت من المكتب برأس مرفوعة، وسابتنا أنا وأمي في وسط ذهول المأذون.. أمي بدأت تلطم وتدعي، وأنا وقفت مكاني مش حاسس برجلي، مكنتش عارف أنا زعلان عشان خسرتها، ولا عشان اكتشفت إني كنت “الخاتم” فعلاً، بس في صباع أمي مش صباعها هي.
مرت الشهور على “خالد” كأنها سنين عجاف. البيت اللي كان فاكر إنه هيعيش فيه “ملك” بعد ما يمشّي “نهى”، بقى عبارة عن سجن بارد. الصمت بقى هو الضيف الدايم، والضحكة اللي كانت بتملا البيت بصوت ولاده، “هارون وروقية”، مابقتش موجودة غير في الصور اللي على الحيطان.
أمه اللي كانت بتشجعه وتزقّه عشان يطلق، بدأت هي كمان تزهق. قعدة البيت كترت، ومطالب خالد اللي مبيخلصش بقت عبء عليها. في يوم دخل عليها المطبخ وهو متضايق:
“يا أمي، العيش ناشف والبيت يضرب يقلب، مفيش لقمة عدلة تتاكل؟”
أمه لفت له وهي ماسكة ضهرها وبتنفخ بتعب:
“يا واد جرى لك إيه؟ أنا كبرت ومبقتش قادرة على خدمتك.. ما تروح تتجوز ولا تشوف لك صرفة، أنا عايزة أرتاح بقى من همك وهم ولادك اللي بيجوا يقضوا اليوم ويقلبوا البيت.”
بص لها بذهول، هي دي اللي كانت بتقوله “أنا أشيلك في عيني”؟ هي دي اللي كانت بتوعده إنها هتجيبه “ست ستها”؟
حاول “خالد” يفتح مواضيع جواز كتير. كل ما يروح يتقدم لواحدة، يرجع بكسرة نفس. السمعة سبقته في المنطقة كلها، وبقوا الناس يشاوروا عليه ويقولوا: “ده اللي طلق مراته عشان يرضي أمه.. ده اللي ماشي بالريموت كنترول.” حتى أصحابه اللي كانوا بيشجعوه، بقوا يهربوا منه ومن مشاكله مع المحاكم اللي نهى كسبتها واحدة ورا التانية.
في المقابل، “نهى” اتغيرت تماماً. المحل بتاعها كبر وبقى ليه اسم، ورجعت تهتم بنفسها وبصحتها. كانت بتنزل صورها مع ولادها وهي بتفسحهم وتضحك من قلبها، وكأنها رجعت للحياة بعد ما كانت مدفونة بالحيا.
وفي يوم، “خالد” مقدرش يمسك نفسه، وقف قدام محلها وهي خارجة، وشها كان منور بضحكة صافية مكنش بيشوفها زمان. قرب منها بصوت مكسور:
“نهى.. أنا تعبت، والبيت من غيرك ميسواش.. أنا مستعد أصلح كل حاجة، وأبعد أمي عن حياتنا خالص، بس نرجع.”
نهى وقفت، وبصت له بنظرة خالية من أي غل، مجرد شفقة:
“تصلح إيه يا خالد؟ اللي اتكسر مبيتصلحش، والبيت اللي اتهد بكلمة “أمك” مبيتبنيش بوعودك.. إنت مش بتدور عليا يا خالد، إنت بتدور على “خدامة” تريحك وتريح أمك بعد ما تعبتم من بعض.. أنا دلوقتي حرة، ومستحيل أرجع ألبس “الخاتم” اللي كان خنقني.”
سابت مشي وراه وهو واقف في مكانه، وحيد، عارف ومتاكد إن “كلمة أمه” اللي كانت فاكرها حصن، هي اللي هدت مستقبله، وإن اللي بيفرط في “السند” عشان “العند”, بيعيش طول عمره يدور على ضله ومش بيلاقيه.
تمت..

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى