روايات وقصص

بنتي الوحيدة الجزء الثالث

ما جرتش، ولا ارتبكت. وقفت مكانها لثواني، وبصتلي من فوق لتحت بنفس النظرة اللي بصيتهالها يوم ما كانت بتنظفلي النجف. وبعدين ابتسمت ابتسامة خفيفة، وشالت ابنها في حضنها ودخلت جوة الفيلا، والبوابة الحديدية الكبيرة اتقفلت وراها بصوت قوي ورنان كأنه باب السجن اللي اتقفل عليا أنا وأخويا للابد.

رجعت الشقة وأنا ساحبة رجليا بالعافية. دخلت لقيت فالح واقع من على السرير على الأرض، بيزحف في الضلمة وبيحاول يوصل لكوباية المية اللي على الترابيزة. الكوباية اتكسرت، والمية دُفقت على البلاط، وفالح كان بيزحف فوق الزجاج المكسور وإيديه وركبه بتنز دم، وهو بيبكي بصوت واطي ومتقطع: “سعاد.. المية يا سعاد.. عطشان يا أختي..”

قعدت على الأرض جنبه وسط الزجاج المكسور والدم، وما حاولتلكش أرفعه. حطيت رأسي بين ركبي وبكيت.. بكيت على أخويا اللي ضيع نفسه وضيعنا عشان شهوة وطمع، وبكيت على نفسي اللي اخترت أكون ظالمة وخبيثة عشان مصلحة رخيصة، وبكيت على مروة اللي تحولت من مظلومة بريئة لجلاد صارم ما يعرفش الرحمة.

وفي وسط الضلمة والصريخ والمية المكبوبة، رن الموبايل للمرة الأخيرة في اليوم ده. فتحت الرسالة اللي جرت على الشاشة، كانت صورة لمروة وأحمد قاعدين في الصالة الكبيرة بتاعة الفيلا، قدام السفرة الفخمة المليانة أكل وطعام، وتحت الصورة كتب المحامي بتاعها رسالة قصيرة:

ـ “للعلم فقط.. الأسبوع القادم ستبدأ جلسات القضية الجديدة: تجريد فالح من أهليته القانونية وتعيين مروة وصية رسمية على جميع أملاكه المتبقية بسبب عدم قدرته العقلية والجسدية.”

قفلت الموبايل، وبصيت لفالح اللي كان ماسك في طرف عبايتي وبيترعش ويقول: “مين يا سعاد؟ مين بيكلمك؟”

قلتله بصوت ميت، صوت طالع من قعر القبر:

ـ “ما حدش يا فالح.. ما حدش.. ده حظنا وبيسلم علينا.”

مرت سنة كاملة على ليلة ، وكانت الأيام بتمر في  الضيقة كأنها عقاب أبدي متواصل. الشقة اللي كانت في يوم من الأيام مكان برتاح فيه، بقت أشبه بالمقبرة؛ الريحة جُوة عبارة عن خليط خنيق من المراهم الطبية، المنيوم، ورائحة الجلد التالف اللي مش راضية تفارق المكان.

فالح بقى عبارة عن خيال رجل. الحروق التشوهية غطت وشه ورقبته بالكامل، وشعره طاح، وعينيه أصلًا انطفوا للأبد. الحركة بالنسبة له بقت عذاب؛ مفاصله اتيبست من القعدة والتمدد على ، وصوته الحاد اللي كان بيهز البيت زمان، بقى حشرجة واطية ومخيفة بتطلع بالعافية من حنجرته. كل يوم الصبح، كانت مهمتي الثقيلة تبدأ: أرفعه بالعافية عشان يقعد، أغيرله على الجروح اللي بتنز قيح ودم، وأحطله قطرات العين والمطهرات اللي بقيت أشتري أردأ أنواعها لأن الفلوس خلاص جابت القاع.

الأدهى من كده، إن القضية الجديدة اللي المحامي رفعها نجحت تماماً. المحكمة حكمت بفرز وتجرد فالح من أهليته القانونية نظراً لحالته العقلية والجسدية الشديدة، وتم تعيين “مروة” كوصي رسمي وقانوني على كل أملاكه وحساباته لحماية حقوق ابنها القاصر “أحمد”. الحكم ده كان القشة اللي قطعت ضهرنا؛ لأن الحسابات البنكية اللي كان فيها الملايين أصبحت مقفولة تماماً بشرطة القانون، وما بيطلعش منها غير مبلغ نفقة شهري هئيل جداً للطفل، ومروة هي اللي بتتحكم في صرفه.

بقت القعدة في البيت عبارة عن جحيم يومي. فالح ما بقاش ينام بالليل، القلق والوجع النفسي والجسدي أكلوا دماغه. كان يفضل يزحف على ركبه وأكواعه في الصالة الضلمة، يدور على أي حاجة يمسكها، ويقعد يخبط راسه في الأرضية وهو بيصرخ ويبكي بصوت يقطع القلب:

ـ “يا سعاد! الفلوس فين؟ الفيلا راحت فين؟ أنا فالح! أنا اللي كان معايا ٥ مليون جنيه! أنا اللي كنت هعيش عريس! ليه بقيت كده؟ هاتولي هلا.. قولو لهلا تيجوا تاخدني من هنا!”

وعند ذكر اسم “هلا”، كنت بضحك ضحكة كلاب مريضة من كتر الغل. هلا اللي فالح باع مراته الأصيلة عشانها وشتراها بالفلوس والعز، هربت من أول أسبوع! التشوه اللي أصاب وشه ووشها خلى العلاقة بينهم تنتهي في لحظة. هي قعدت في بيت أهلها بترفع عليه قضايا طلاق وضرر، ورافضة حتى تسمع اسمه أو تشوف صورة له، وسابته لي أنا ألبس القرف ده كله لوحدي.

في يوم من أيام الصيف الخانقة، والحرارة كانت عالية جداً في الشقة، والكهرباء قطعت. فالح كان قاعد على الأرض في الصالة، بيلهث زي الكلب المريض من الحر والوجع، وجروحه بدأت تطلع ريحة وحشة جداً بسبب كتمة الجو. ما كانش عندي في البيت ولا حبة مسكن واحدة، ولا حتى غيار شاش نضيف. الصيدلي اللي تحت العمارة رفض يديني أي دوا بالدَين وقالها لي في وشي: “يا سعاد هانم، أنتِ عليكِ أكتير من أربع آلاف جنيه، ولما تسددي القديم أبقى يديكي جديد.”

قعدت على الكنبة وأنا حاطة إيدي على وشي وببكي بقلة حيلة. بصيت لفالح اللي كان بيمد إيده المكتوية في الهوا وبيقول بضعف: “سعاد.. المية غالية.. هاتيلي حبة مية باردة ورشي على وشه، النار بتآكل فيا جوة يا سعاد!”

في اللحظة دي، الموبايل رن. كان رقم محامي مروة. مسكت التليفون وفتحت الخط بصوت مكسور:

ـ “أيوة يا أستاذ.. خير؟ في أوراق جديدة عايزين توقعوها عشان تاخدوا باقي الفلوس؟”

جالي صوت المحامي، بس المرة دي ما كانش بيتكلم بحدّة، كان صوته جاد ومستعجل:

ـ “أهلاً يا سعاد. أنا بكلمك بناءً على طلب المدام مروة. هي عايزاكي تحضري فوراً لمكتب الشهر العقاري في الجيزة. في إجراءات رسمية خاصة بنقل ملكية الشقة القديمة وتصفية باقي المستحقات المالية، ولزم حضورك بصفتك الأخت والراعية لفالح.”

سألته بلهفة خايبة:

ـ “وهي مروة هتديني حاجة؟ أقصد.. هل هيدفعوا جزء من الفلوس عشان نجيب دوا وأكل لفالح؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى