
كان واقف بره عمه “الحاج جابر” ووراه أربعة من شباب العيلة، وفي عينيهم شرار ونظرات تحدي. الحاج جابر زق الباب بصدره ودخل خطوة، وبص لطاهر بمنتهى الاستعلاء: “جرى إيه يا ابن أخويا؟ الحريم رجعوا مكسورين الخاطر وتقولهم أبلغ الشرطة؟ هي النخوة ماتت فيك ولا البت دي عملتلك عمل؟”
طاهر وقف قصاده كأنه جبل، ورفع الشومة في وش عمه: “النخوة هي إن أحمي مراتي في بيتي يا حاج! اللي حصل جوة ده إجرام وما عاش ولا كان اللي يدخل بيت مراتي ويكسر كلمتي!”
ابن عمه الكبير خطى خطوة ورفع صوته: “ما تعليش صوتك على أبا! الكلمة كلمة العيلة، والحاجة أمك هي اللي مربياك، ولما تقول البت دي تتصلح، يبقى تمشي على الأصول وغصب عنك وعنها!”
قبل ما يكمل كلامه، طاهر مسكه من زقبة جلابيته ورزعه في حيطة السلم بكل قوته: “البت دي بقت على اسمي! قسماً بالله لو حد منكم نطق اسمها تاني أو فكر يخطو عتبة البيت ده، لأكون شارب من دمه! العيلة اللي عاوزة تهين مراتي ملهاش لازمة عندي!”
الحاج جابر وشه احمر وصرخ بصوت هز العمارة: “بتقف في وش عمك وعيلتك عشان حُرمة؟! ماشي يا طاهر.. طالما اخترت، يبقى أنت لا ابننا ولا نعرفك، وحق أمك وأصولنا هناخده منك ومنها!”
اتجمعت الرجالة ودخلوا الصالة عشان يكتفوا طاهر، وطاهر نازل فيهم ضرب ويدافع عن بيته زي الأسد.
أنا كنت واقفة ورا باب الأوضة ومستعدية أدافع عن نفسي لأخر نفس… وفجأة، الصوت بره اتغير تماماً، وسمعنا سرينة شرطة بتهز الشارع ورزع جزم ثقيلة طالعة على السلم!
صوت السرينة كان بيلف الشارع كله، والأنوار الحمرا والزرقا ضربت في زجاج بلكونة الصالة. في لحظة، الحركة اتجمدت جوة الشقة، والرجالة اللي كانوا متتلمين على طاهر بصوا لبعض بذهول ورعب.
الباب المكسور اتدفع بقوة، ودخل رئيس المباحث ووراه قوة من أمناء الشرطة والسلاح في إيديهم. الظابط بصلهم بنظرة حادة، وقال بصوت هز المكان: “كل واحد يقف مكانه ومحدش يتحرك! الشقة دي محاصرة بالكامل!”
حماتي الحاجة أم نصر صرخت وولولت: “يا مري! شرطة في بيتنا؟ يا فضيحتنا وسط النااااس!”
الظابط قرب من طاهر اللي كان هدومه متبهدلة وشه ينزف دم من ضربة أخذها وهو بيدافع عن الشقة، وقال له: “أنت طاهر؟”
طاهر مسح الدم من على وشّه بخط إيده وبص للظابط بثبات وقال: “أيوة أنا طاهر، وأنا اللي أبلغت عنهم بتهمة التعدي واقتحام مسكن.”
عمه الحاج جابر اتقدم وهو بيترعش وبيحاول يداري خيبته: “يا باشا ده موضوع عائلي وبنحله سوا، مفيش حاجة تستاهل شرطة ولا مباحث!”
الظابط بص للحاج جابر بقرف وقال: “اقتحام البيت بالسلاح وتengيع الناس جريمة تانية! هاتوا النسوان دول كلهم على البوكس، والرجالة دول يتكتفوا فوراً!”
الستات وبنات العيلة بدأوا يصرخوا ويندبوا وهم بيتساقوا لبرا العمارة، والحاجة أم نصر بتبص لطاهر بجل ونقمة وبتصرخ: “بعت أمك يا طاهر؟ بعت عيلتك عشان بت مش من دمك؟ ربنا ما يباركلك ولا يهنيك!”
طاهر بص لأمه بوجع وقهر وقال: “أنتِ اللي بعتيني لما فكرتي تهيني مراتي وتكسري كلمتي في بيتي يا أمي.”
الشرطة أخدت حماتي وعمه والرجالة، والشقة فجأة هديت، بس الهدوء كان أتقل من العاصفة.
أمي قعدت على الكرسي وهي بتبكي وتدعي، وأنا خرجت من الأوضة وإيدي بترعش. أول ما طاهر شافني، قرب مني بالراحة، وأخدني في حضنه بقوة.
كنت بحس بدقات قلبه السريعة وجسمه اللي بيترعش من القهر والغضب. بصلي وقال وهو بيحبس دموعه: “سامحيني يا رحمة.. حقك عليا، أنا السبب في كل اللي حصل ده.”
هزيت رأسي وأنا بكي: “أنت مالكش ذنب يا طاهر.. أنت حميتني ووقفت في وش الدنيا كلها عشاني.”
عدت ساعات الليل القاسية، وفي الصباح، طاهر نزل وراح النيابة عشان يتابع التحقيقات. المحامي قالي إن القضية كبيرة، والنيابة أمرت بحبس الحاجة أم نصر على ذمة التحقيق، وأخلت سبيل باقي الرجالة بكفالة مع إنذار بعدم التعرض.
الظهيرة كانت شمسها حامية، والهدوء في الشارع كان بيخفي وراه شر مستطير. طاهر رجع البيت وشكله مجهد ووشه أصفر. قعد على الكنبة وحط رأسه بين إيديه.
قربت منه وجبتله كوباية مية، مسك إيدي وقال بنبرة مكسورة: “رحمة.. العيلة مش هتسكت. كبار البلد اتجمعوا النهاردة، وعمي جابر بيحشد الناس ضدنا، وبيقولوا إننا فضحنا العيلة ودخلنا الشرطة بيوت الصعايدة.”
قبل ما أرد عليه، سمعنا صوت مكبرات صوت جاية من الشارع، وأصوات عربيات كتير بتوقف تحت العمارة.
طلعت البلكونة بالراحة واستخبيت ورا الستارة… المنظر تحت كان يرعب!
أكثر من خمسين راجل من كبارات العيلة والبلد واقفين تحت العمارة، ومعاهم أسلحة، وركبوا مكبر صوت وبيزعقوا: “يا طاهر ينزل يتكلم مع كبار البلد! يا إما العيلة كلها متبرية منه وهندخل نأخد حقنا بأيدينا!”
طاهر قام وقف فوراً، ومسك تلفونه ومشى للشومة تاني. أمي صرخت: “يا ابني بلاش تنزل! دول هيقتلوك!”
طاهر بصلي بنظرة كلها تحدي وقال: “لو مانزلتش، هيفضلوا يطاردونا طول عمرنا. لازم أواجههم وأحط حد للمهزلة دي بنفسي.”
نزل طاهر الشارع بثبات، وأنا جريت على البلكونة أتابع من فوق وقلبي بيلطش في قفصي الصدري.
أول ما طاهر ظهر في الشارع، الناس اتلمت حواليه ودائرة الخطر أتقفلت عليه. الحاج جابر وقف قصاده وصرخ في مكبر الصوت: “اهو الجاني! اهو اللي حبس أمه عشان حُرمة! اللي جاب العار لاسم العيلة!”
طاهر أخد مكبر الصوت من يد الراجل بالقوة، ورفعه على بوقه وصرخ بصوت هز الشارع كله: “العار هو الجهل! العار هو إنكم عاوزين تفرضوا سيطرتكم بالقوة على بيوت الناس، والشرطة أخدت المجرمين اللي اعتدوا على بيتي!”
كبار البلد بدأوا يتهامسوا، وواحد من الشيوخ الكبار اتقدم وقال: “بس يا طاهر، أمك في السجن، وده عار على العيلة كلها.”
رد طاهر بحسم: “أمي على راسي، بس القانون هو اللي يحكم! اللي يعتدي على حرمة بيت ويهدد إنسانة بالقوة، مكان القانون والعدالة!”
وفجأة، وسط الكلام والتعديات، ظهرت عربية سودا وقفت بفزع في نص الشارع، ونزل منها راجل كبير في السن، شعره أبيض وله هيبة ترعب… كان “الحاج صابر”، كبير العيلة وأعلى كلمة في الصعيد كله، اللي محدش يقدر يكسرله كلمة!
الشارع كله سكت تماماً، والحاج جابر رجع لورا بخوف. اتقدم الحاج صابر بخطوات تقيلة، وبص لطاهر، وبعدين بص للحاج جابر وللناس الملمومة…
رفع عصايته الأبنوس ورزعها في الأرض بكل قوته وقال بصوت حاد زي السيف: “إيه المولد اللي انتوا عاملينه ده؟! كبار العيلة يتجمعوا عشان يظلموا بت ويهددوا بيتها؟!”
الحاج جابر اتلجلج وقال: “يا حاج صابر.. البت كسرت كلامنا وأم نصر حبسوها…”
قطع الحاج صابر كلامه بنظرة مرعبة وصرخ فيه: “سد حنكك يا جابر! أم نصر غلطت وفضحتنا! وطاهر راجل وسيد الرجالة لأنه حمى بيته ومراته!”
الشارع كله اتصدم من كلام الكبير، وأنا في البلكونة نفسي اتكتم من الفرحة والذهول.
الحاج صابر بص لطاهر وقال: “تعالى معايا يا طاهر.. النهاردة هتقعد قعدة عرب، والقانون هياخد مجراه، بس حقك وحق مراتك على راسي وفي رقبتي لحد يوم الدين!”
طاهر هز رأسه باحترام ومشى مع الحاج صابر، بس وهو ماشي، بص ناحية البلكونة وابتسملي نظرة أمل…
لكن الفرحة مكملتش، وأنا واقفة في البلكونة بتابعهم وهم ماشيين، حسيت بحركة غريبة ورايا في الشقة… الباب كان مفتوح، ولما التفت، لقيت بنت عم طاهر الكبيرة واقفة في نص الصالة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
-
حازم وهادية كتابة حماده هيكلمنذ 3 ساعات
-
انا هندمنذ 4 ساعات
-
جوزي كلمني في نص الليل الثالثمنذ 5 ساعات
-
جوزي كلمني في نص الليل الثانيمنذ 5 ساعات




