
مرت ستة أشهر على حادثة الفيلا، وكانت الأيام بتمر عليا في القديمة زي السكّين التالمة اللي بتدبح بالبطيء. اللي كنت فاكرة إنها ملكي وسكني، تحولت ضيقة ريحتها المطهرات والمرمات
-
بنتي الوحيدة الجزء الاخيرمنذ 20 ساعة
-
بنتي الوحيدة الجزء الثانيمنذ 20 ساعة
-
بنتي الوحيدة الجزء الأولمنذ 20 ساعة
-
قبل ولادتي الجزء الثانيمنذ 20 ساعة
فالح كان قاعد على في الجوانية، أعمى تماماً، وشُبه إنسان. جفونه كانت ملتصقة ببعضها من ، ووشه بقى عبارة عن خريطة من الجلد المشدود والندوب الزرقا والجمجمة البارزة. ما كانش يقدر يقعد لوحده، ولا ياكل لوحده، ولا يتنقل للحمام إلا وهو ماسك في كتفي وبيترعش زي القشة في مهب الريح. صريخه بالليل ما كانش بيفصل؛ كل ما الوجع يمس جسمه أو افتكر العز والفلوس اللي راحت، كان يصرخ ويخبط راسه في الحيطة وهو بيبكي بكاء هيستيري ويقول: “يا سعاد! عينيا فين يا سعاد؟ الـ ٥ مليون راحوا فين؟ الفيلا راحت فين؟ هاتيلي هلا.. قولي لهلا ترجعلي!”
وأنا؟ كنت الصدى بتاع صريخه. إيديا اللي كانت ناعمة وما بتلمسش غير الموبايل عشان تتفرج على صور الخروج والفسح، بقت خشنة ومشققة، ظوافري من كتر غسيل الشاش والدم والقيح اللي ينزل من جروحه، وريحة الكلور والمطهرات لزقت في عبايتي وفي شعري. الفلوس اللي كانت معايا في البنك خلصت كلها على الأدوية والمراهم الغالية اللي الدكاترة كتبوها عشان الحروق ما تتعفنش. بقيت أنزل الصبح بدري، أستلف من القرايب والجيران مبالغ بسيطة عشان أجيب بيها الشاش وعيش ناشف ناكله أنا وهو. الجيران اللي كانوا بيتمنوا رضا أخويا لما كان معاه الفلوس، بقوا يهربوا مني لما يشوفوني نازلة على السلم، وبعضهم كان بيقفل الباب في وشي ويقول من ورا الباب: “ربنا يشفيه يا سعاد.. العين بصير واليد قصيرة!”
في الناحية التانية، كانت مروة بتمارس انتقامها بالقانون وبمنتهى الهدوء. المحامي بتاعها، محامي شاطر وذكي أخد قضيتها نكاية في فالح وفينا، رفع قضايا حصر تركة وتمكين وأجر حضانة ونفقة بنوعيها لابنها أحمد. والقاضي، لما شاف الأوراق وقسيمة الجواز اللي فالح ما لحقش يلغيها رسمي، وشاف الشهادات اللي بتثبت إن مروة كانت بتنفق على البيت طوال السنين اللي فاتت وهو ضاحك عليها ومفهّمها إنه عاطل، أصدر حكماً بالتحفظ على حسابات فالح البنكية كلها لضمان نفقة الطفل والأم.
كل شهر، كان بيوصلني جواب رسمي من المحكمة، إخطار بخصم مبلغ محترم من حساب فالح المجمد لصالح مروة وابنها. كنت بمسك الجواب وإيديا بترتعش، وأبص على الصفر اللي في جيبي، وأبص لفالح اللي قاعد يئن على السرير. مروة أخدت الشقة الجديدة اللي فالح كان كاتبها باسمه في منطقة راقية كبديل للفيلا، وأخدت عربية من العربيات، وعاشت هي وابنها في عز ونعمة، بفلوس فالح اللي اتحرم منها وهو حي!
وفي يوم جمعة، والشمس طالعة نارهة، كنت قاعدة في الصالة بمسح الأرضية بخرقة دايبة، وضهري منحي من التعب. الموبايل بتاعي رن. كان رقم غريب. فتحت الخط بصوت مهدود وقلت: “ألو؟”
جالي صوت هادي، رايق، وفيه نبرة شبع وقوة عمري ما سمعتها منها قبل كده:
ـ “إزيك يا سعاد؟ عاملة إيه في النظافة النهاردة؟ ويا ترى الـ ١٥٠ جنيه مكفيينك ولا أبعتلك حاجة لله؟”
الدم اتجمد في عروقي، ومسكت الموبايل بكل قوتي وقلت بصوت بيترعش من الغل والخوف:
ـ “مروة؟ أنتِ لسة ليكي عين تتصلي؟ أنتِ أخويا! حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة! ربنا مش هيرحمك على اللي عملتيه!”
سمعت ضحكة هادية ورايقة من الناحية التانية، ضحكة كأنها صادرة من واحد قاعد في جنينة وبيدش عصائر فاخرة، وقالتلي:
ـ “ربنا؟ ربنا هو اللي جابلي حقي يا سعاد! ربنا هو اللي خلى أخوكي يترامي على زي الجثة، وخلاكي أنتِ الخدامة بتاعته وبتاعتي! أنتِ نسيتي لما كنتِ ترميلي الـ ١٥٠ جنيه على الترابيزة وتقوليلي ‘المفروض تخدميني ببلاش’؟ نسيتي لما كنتِ بتتفرجي على صوري وأنا بمسح النجف وتضحكي في سرك؟ أديكي بقيتي تمسحي وتحت رجليكي الدم والقيح من غير حتى الـ ١٥٠ جنيه!”
بكيت بصوت مكتوم وقلت لها:
ـ “عايزة إيه تاني يا مروة؟ أخدتي الفلوس، وأخدتي ، وأخويا بقى أعمى ومشوه.. سبينا في حالنا بقى!”
ردت ببرود يذبح:
ـ “أنا اتصلت عشان أقولك إن عندي عزومة صغيرة النهاردة في الجديدة.. بمناسبة إن أحمد ابني طلعت نتيجته والأول على مدرسته الخاصة. وكنت بفكر أجيب شغالة تنظف المكان ورا الضيوف، فقلت أستأذنك.. يمكن تحبي تيجي تنظفي وتاخدي الـ ١٥٠ جنيه، أهو ينفعوكِ تجوبي بيهم غيار شاش لأخوكي!”
قبل ما أرد، قفلت الخط في وشي. حطيت الموبايل على الأرض وقعدت أصرخ وألطم على وشي في الصالة الضلمة. صريخي صحى فالح جوة، وبدأ ينادي بصوت :
ـ “سعاد! سعاد! بتصرخي ليه؟ مين كان بيكلمك؟ مروة؟ قوليلي مروة قالت إيه؟ هترجعلي الفلوس؟”
زقيت باب الأوضة ودخلت عليه وأنا بغلي، وقلتله بصرخة هزت الحيطان:
ـ “أنت لسة بتسأل عن مروة؟ مروة عايشة في العز بفلوسك! مروة دخلت ابنها مدارس خاصة وأنا وأنت مش لاقيين لقمة العيش الناشفة! منك لله يا فالح.. أنت اللي وطمعك وندالتك هما اللي وصلونا للهلاك ده!”
فالح حط إيديه التشوهين على وشه وبدأ يبكي زي الطفل الصغير:
ـ “سامحيني يا سعاد.. والله ما كنت أعرف إنها هتعمل كده.. قوليلي أعمل إيه؟ أنا جعان يا سعاد، بقالي يومين ما أكلتش حاجة عدلة.. هاتيلي أي أكل يا سعاد أرجوكي!”
بصيتله بقرف وشفق، وما قادراش أتحمل منظره. نزلت الشارع وأنا مش عارفة أروح فين. رحت لمنطقة الفيلا القديمة بتاعة فالح اللي اتصادرت وتم بيعها في المزاد. كنت عايزة أشوف المكان اللي شهد بداية نهايتنا.
أول ما وصلت المجمع السكني، شفت الفيلا من بعيد. البوابة الحديدية كانت مفتوحة، وفي ناس داخلين وطالعين بعفش جديد. السور اللي مروة رمت المفتاح قدامه كان مدهون ببوية جديدة، والورد اللي فالح زرعه عشان هلا كان مقصوص ومترتب. وقفت على الرصيف الناحية التانية، لابس عباية وسخة وطرحة مبهدلة، والناس اللي داخلين وخارجين بيبصولي بقرف كأني شحاتة.
وفجأة.. وقفت عربية سودا فخمة أحدث موديل قدام البوابة. نزل منها السائق وفتح الباب الخلفي.
نزل الأول أحمد، ابن مروة. كان لابس بدلة صغيرة شيك، ماسك في إيده شهادة تقدير ودرع تكريم، ووشه مليان فرحة وعز. وبعده.. نزلت مروة!
ما كانتش مروة بتاعة زمان. ما كانتش الست المكسورة اللي عبايتها مقطعة وإيديها مشققة من الكلور. كانت لابسة فستان فاخر أزرق ملكي، وحجاب منسق، ومركبة مجوهرات دهب بتلمع تحت الشمس، ووشها صافي ومشرق كأن السنين ما لمستهاش أبداً.
مشيت مروة بخطوات واثقة، وأحمد ماسك إيدها، ودخلوا الفيلا! الفيلا اللي فالح اشتراها عشان ينعم فيها مع هلا، بقت ملك لمروة وابنها! المشتري الجديد للفيلا ما كانش حد غير رجل أعمال كبير، صديق لمروة والمحامي بتاعها، واشتراها واستأجرها لمروة بعقد طويل الأجل من أموال التركة المحفوظة!
وقفت اتفرج عليهم من بعيد والدموع بتغطي عينيا. مروة رفعت رأسها فجأة وهي داخلة البوابة، وبصت ناحية الرصيف اللي أنا واقفة عليه. شافتنِي!






