روايات وقصص

بنتي الوحيدة الجزء الثاني

وفي جلسة الحكم النهائي، وقعت الفأس في الرأس؛ المحكمة أصدرت حكم تاريخي لصالح مروة: نفقة متعة وعدة بمبالغ ضخمة تتناسب مع ثروته الحقيقي وأجر مسكن ملزم يدفعه كاش، ونفقة شهرية لابنه تكفل له أرقى مستوى معيشة وتعليم، مع بطلان أي تصرف صوري في أملاكه اتعمل للإضرار بحق المطلقة والصغير.

أخويا صحي من الصدمة على كابوس حقيقي، مش بس لأن المحكمة ألزمت البنوك بتجميد المبالغ دي وتسليمها لمروة بقوة القانون، لكن لأن هلا أول ما شافت الحسابات اتقفلت والفيلا اتختمت بالحجز التنفيذي، استغلت التوكيلات اللي في إيدها وسحبت كل اللي طالته من أصول كانت سايبة، وسابتله ورقة صغيرة على ترابيزة السفرة: “كل واحد يدور على مصلحته يا سليم.. وأنت غرقان خلاص”.

جالي أخويا الشقة مهدود الحيل، وشه مشوه من الصدمة، لابس نفس القميص اللي كان بيتباهى بيه بس مطفي ومتبهدل. قعد على نفس الكرسي اللي كانت مروة بتبكي عليه، باصص للأرض بذهول ومكسور بعد ما خسر مرتين: خسر شقا الورث في المحاكم وعمليات النصب، وخسر الست اللي كانت بتخدم في البيوت عشان تستر اسمه.

بصيتله وأنا مش لاقية كلمة أقولها، حاسة ببرود قاتل في الشقة، وافتكرت اليوم اللي وقفت فيه مروة على نفس العتبة، ورفعت إيديها للسما ودعت علينا بحرقة. بصيت في عينيه وقولتله بصوت واطي: “دعوة الولية اللي مسحت بلاط بيتي عشان تاكلك لقمة حلال.. كانت أسرع من ملايينك يا سليم”.

كنت فاكرة إن المصيبة وقفت عند أخويا وخسارته، ومكنتش أعرف إن القدر كان مجهزلي الضربة التانية اللي تكسر ضهري بجد.

بعد أسبوعين من خراب بيت أخويا، وأنا لسه عايشة في صدمة اللي حصله، تليفوني رن برقم دولي.. كان جوزي اللي مسافر يشتغل برة في الخليج بقاله تلات سنين عشان يجهز مستقبلنا ونشتري شقة تمليك باسمنا. فتحت الخط ولسه بقوله: “ألو.. وحشتني يا أبو العيال، كويس إنك اتصلت عشان تشوف اللي جرالنا”، لقيت صوته طالع بارد، ناشف، ومفيهوش ريحة الود ولا اللهفة.

قاطعني بنبرة مقتضبة وهو بيقول: “سعاد.. اسمعيني كويس ومتقاطعيش.. أنا باعتلك مع محامي في مصر ورقة طلاقك، ومؤخرك هيتحولك على حسابك بالجنيه المصري، الشقة الإيجار اللي أنتي قاعدة فيها عقدها هيخلص أول الشهر ومش هجدده.. خدي عيالك وروحي اقعدي في بيت أهلك”.

الأرض لفت بيا، التليفون كان هيقع من إيدي وصرخت فيه بهستيريا: “طلاق إيه وعقد إيه؟! أنت اتجننت يا راجل؟! ده شقا عمري معاك، ده أنا مستحملاك ومستنية رجوعك وبوفرلك القرش على القرش!”.

رد بضحكة مستفزة قطعت شراييني: “أنا اتجوزت خلاص هنا وعملت إقامة واستقريت، مراتي الجديدة صغيرة وشايلاني في عينيها ومش عايز وجع دماغ ومشاكل من مصر.. متتعبيش نفسك في محاكم لأن كل شغلي وأملاكي وفلوسي هنا ومفيش مليم واحد في بنوك مصر تقدري تحطي إيدك عليه.. ورقتك هتوصلك والباقي مش مسؤوليتي”.

وقفل السكة في وشي.

قعدت على الأرض مكاني في نفس الصالة، مذهولة ومشلولة، أصرخ وألطم على وشي من غير ما يطلع مني صوت.. شريط الأيام رجع يلف قدام عيني بسرعة البرق؛ شفت مروة وهي قاعدة في نفس النقطة منهارة وبتقولي: “الحقيني يا سعاد”، شفت نظرتي المتكبرة ليها والـ ١٥٠ جنيه اللي كنت برميها في وشها بتعالي، ورن في ودني صوت دعاها بحرقة: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا سعاد أنتِ وأخوكي.. ربنا يردلي حقي منكم في الدنيا قبل الآخرة”.

الحق رجع، بس بالنار اللي حرقتنا إحنا الاتنين. أخويا قاعد جنبي مكسور ومسروق ومطرود من فيلته، وأنا مطلقة ومرميه في الشارع بعيالي ومش طايلة من جوزي لا حق ولا باطل ولا مليم يسندني، لا عرفت أشغل مروة خادمة عندي بلقمتها، ولا بقيت لاقية حتى اللقمة اللي أطعم بيها ولادي.

بصيت للسما ودموعي بتنزل حارقة على خدي، وفهمت إن كاس الظلم اللي سقيناه لمروة، ربنا كتب علينا نشربه لحد

آخر نقطة.. بس على أصوله.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى